سيد قطب

2265

في ظلال القرآن

الروايات والأخبار ، ويزيدون فيها وينقصون ، ويضيفون إليها من خيالهم جيلا بعد جيل ، حتى تتضخم وتتحول ، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحادث الواحد كلما مرت القرون : « سَيَقُولُونَ : ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَيَقُولُونَ : خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ - رَجْماً بِالْغَيْبِ ، وَيَقُولُونَ : سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ . قُلْ : رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ . ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ . فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً ، وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً » . . فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه . وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة ، أو أكثر . وأمرهم موكول إلى اللّه ، وعلمهم عند اللّه . وعند القليلين الذين تثبتوا من الحادث عند وقوعه أو من روايته الصحيحة . فلا ضرورة إذن للجدل الطويل حول عددهم . والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير . لذلك يوجه القرآن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى ترك الجدل في هذه القضية ، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم . تمشيا مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد . وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق . وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم اللّه ، فليترك إلى علم اللّه . وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي ، يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه ؛ فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ : إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ، وَقُلْ : عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً » . . إن كل حركة وكل نأمة ، بل كل نفس من أنفاس الحي ، مرهون بإرادة اللّه . وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة ؛ وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل ؛ وعقله مهما علم قاصر كليل . فلا يقل إنسان : إني فاعل ذلك غدا . وغدا في غيب اللّه وأستار غيب اللّه دون العواقب . وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان ، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له ؛ وأن يعيش يوما بيوم ، لحظة بلحظة . وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله . . كلا . ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره ؛ وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة اللّه على ما يعزم ، ويستشعر أن يد اللّه فوق يده ، فلا يستبعد أن يكون للّه تدبير غير تدبيره . فإن وفقه اللّه إلى ما اعتزم فبها . وإن جرت مشيئة اللّه بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس ، لأن الأمر للّه أولا وأخيرا . فليفكر الإنسان وليدبر ؛ ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير اللّه ، ويدبر بتوفيق اللّه ، وأنه لا يملك إلا ما يمده اللّه به من تفكير وتدبير . ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ ، أو ضعف أو فتور ؛ بل على العكس يمده بالثقة والقوة والاطمئنان والعزيمة . فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير للّه غير تدبيره ، فليتقبل قضاء اللّه بالرضى والطمأنينة والاستسلام . لأنه الأصل الذي كان مجهولا له فكشف عنه الستار . هذا هو المنهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم . فلا يشعر بالوحدة والوحشة وهو يفكر ويدبر . ولا يحس بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح . ولا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق . بل يبقى في كل أحواله متصلا باللّه ، قويا بالاعتماد عليه ، شاكرا لتوفيقه إياه ، مسلما بقضائه وقدره . غير متبطر ولا قنوط . « وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » . . إذا نسيت هذا التوجيه والاتجاه فاذكر ربك وارجع إليه .